قواعد خفيّة حول الحديث عن المال
قواعد خفيّة حول الحديث عن المال
28 Feb 2026

هذه هي مقالة مختصرة باللغة العربية. المقالة الأصلية الكاملة بالانجليزية موجودة بالرّابط هنا.
عندما ينظر العالم إلى المرأة الفلسطينية، غالبًا ما يراها بصورة أحادية البعد:
امرأة مُتعبة، صابرة، تحمل خسارتها بكرامة.
لغتها المتوقعة هي لغة الألم، وحكايتها تدور حول الأمومة والتحمّل والفقدان.
هذه الصورة مفهومة ومريحة للعالم، لكنها محدودة ومقيّدة جدًّا. فيها، لا مجال للحديث عن القوة، أو الاستراتيجية، أو الطموح… وبالتأكيد ليس عن المال.

داخل المجتمع الفلسطيني، المال ليس موضوعًا عاديًا. هو مساحة محاطة بالحذر، والعار، وسوء الظن. أن تقولي إنك تريدين المزيد، أو أنك تخططين للادخار والاستثمار، قد يُفهم كجشع أو استعراض. لذلك يصبح الصمت أكثر أمانًا. التواضع أكثر أمانًا. وأن تبدين محتاجة، أأمن من أن تبدين طموحة.
هذا التوتر حول المال ليس صدفة.
في سياق يعيش تحت الاحتلال، الضرر الاقتصادي ليس فرديًا بل بنيويًا: مصادرة أراضٍ، هدم بيوت، إغلاق معابر، تصاريح عمل غير مستقرة، وفرص عمل وتعليم يمكن أن تختفي بقرار واحد من المُحتلّ. في بيئة كهذه، يتكوّن وعي وشعور جماعي بالنُّدرة، وقلق متوارث حول الاستقرار. بالمجتمع الفلسطيني، المال لا يُشعر بأنه “مِلك” حقيقي؛ بل شيء هشّ، زائل، قابل للفقدان في أي لحظة.
في الميديا الغربية والإسرائيلية، غالبًا تُظهَر مطالب الفلسطينيين المالية كأنها طلبات مساعدة، بدل مطالب عدالة. الحديث عن التعويض أو إعادة الإعمار يُقدَّم كاستجداء وتسوّل، لا كمطالبة بحق.
المرأة الفلسطينية تَشعُر هنا بالتّهميش من جانبين: الجيو-سياسي، والجندري. فهي نادرًا ما تُرى في الميديا كصانعة قرار اقتصادي، أو كمستثمرة، أو كمفاوضة. كامرأة وكفلسطينية. يرونها ضحية، لا فاعلة.
لكن الواقع متعدّد الأبعاد. في عملي مع مئات النساء الفلسطينيات في مجال التثقيف المالي، أرى صورة مختلفة تمامًا.
أرى نساء يخططن، يحسبن، يقمنَ مشاريع، يفاوضن رواتب، ويدرن بيوتًا وأعمالًا بذكاء عالٍ.
في لقاءاتي معهنّ حول الادارة المالية والتثقيف المالي، يتحدّثن بسهولة عن الضيق والمعاناة. هذا مقبول. أما قول “أريد مالًا أكثر” أو “أريد أن أصبح ثرية” فيبقى جملة ثقيلة. عندما ننتقل في الحديث من “كيف نغطي المصاريف” إلى “كيف نزيد الثروة”، يتغيّر الجو.

كثيرات تربّين على فكرة أن المال يجلب المشاكل، وأن النجاح يجب أن يكون صامتًا. التفاوض قد يُفهم كوقاحة. الإفصاح عن الراتب قد يخلق توترًا. الطموح قد يُفسّر كخروج عن الصف. ومع هشاشة الواقع السياسي والاقتصادي، يصبح الاختفاء والصمت استراتيجية بقاء.
هكذا يتكوّن نمط من الصمت الاستراتيجي.
صمت يحمي. لكنه أيضًا يعزل.
بدون لغة مشتركة للحديث عن المال، تتكرر الأخطاء من جيل الى جيل، ويتأخر التعلّم، ويضعف العمل الجماعي.
الصمت يُبقي المرأة الفلسطينية بأمان… لكنه أيضًا يُبقيها أصغر مما هي.
لهذا اخترت أن أتحدث عن المال بصوت عالٍ. كتثقيف. كإعطاء كلمات لم يُسمح للنساء بممارستها: ليس فقط لغة المعاناة، بل لغة الثقة بالنفس والسّيادة على الذات.
عندما -أخيرًا- تُعلن امرأة: “أريد أن أتحكم بمالي” أو “أريد أن أزيد دخلي وأحتفظ به”، من دون اعتذار أو تصغير لكلامها… يتغيّر شيء صغير في واقعنا.
قد لا يغيّر هذا النظام كله فورًا، لكنه يغيّر قراراتها. يساعدها على التفاوض. ويسمح لها أن تضع حدودًا واضحة. وأحيانًا، كسر صمت صغير يمكن أن يكفي لشقّ طريق مختلف تمامًا.
الحديث عن المال هنا ليس رفاهية. هو استعادة لحقّ ومساحة. مساحة تستحقها النساء أكثر مما سُمح لهنّ أن يعترفن بها.
هذه هي مقالة مختصرة باللغة العربية. المقالة الأصلية الكاملة بالانجليزية موجودة بالرّابط هنا.
عندما ينظر العالم إلى المرأة الفلسطينية، غالبًا ما يراها بصورة أحادية البعد:
امرأة مُتعبة، صابرة، تحمل خسارتها بكرامة.
لغتها المتوقعة هي لغة الألم، وحكايتها تدور حول الأمومة والتحمّل والفقدان.
هذه الصورة مفهومة ومريحة للعالم، لكنها محدودة ومقيّدة جدًّا. فيها، لا مجال للحديث عن القوة، أو الاستراتيجية، أو الطموح… وبالتأكيد ليس عن المال.

داخل المجتمع الفلسطيني، المال ليس موضوعًا عاديًا. هو مساحة محاطة بالحذر، والعار، وسوء الظن. أن تقولي إنك تريدين المزيد، أو أنك تخططين للادخار والاستثمار، قد يُفهم كجشع أو استعراض. لذلك يصبح الصمت أكثر أمانًا. التواضع أكثر أمانًا. وأن تبدين محتاجة، أأمن من أن تبدين طموحة.
هذا التوتر حول المال ليس صدفة.
في سياق يعيش تحت الاحتلال، الضرر الاقتصادي ليس فرديًا بل بنيويًا: مصادرة أراضٍ، هدم بيوت، إغلاق معابر، تصاريح عمل غير مستقرة، وفرص عمل وتعليم يمكن أن تختفي بقرار واحد من المُحتلّ. في بيئة كهذه، يتكوّن وعي وشعور جماعي بالنُّدرة، وقلق متوارث حول الاستقرار. بالمجتمع الفلسطيني، المال لا يُشعر بأنه “مِلك” حقيقي؛ بل شيء هشّ، زائل، قابل للفقدان في أي لحظة.
في الميديا الغربية والإسرائيلية، غالبًا تُظهَر مطالب الفلسطينيين المالية كأنها طلبات مساعدة، بدل مطالب عدالة. الحديث عن التعويض أو إعادة الإعمار يُقدَّم كاستجداء وتسوّل، لا كمطالبة بحق.
المرأة الفلسطينية تَشعُر هنا بالتّهميش من جانبين: الجيو-سياسي، والجندري. فهي نادرًا ما تُرى في الميديا كصانعة قرار اقتصادي، أو كمستثمرة، أو كمفاوضة. كامرأة وكفلسطينية. يرونها ضحية، لا فاعلة.
لكن الواقع متعدّد الأبعاد. في عملي مع مئات النساء الفلسطينيات في مجال التثقيف المالي، أرى صورة مختلفة تمامًا.
أرى نساء يخططن، يحسبن، يقمنَ مشاريع، يفاوضن رواتب، ويدرن بيوتًا وأعمالًا بذكاء عالٍ.
في لقاءاتي معهنّ حول الادارة المالية والتثقيف المالي، يتحدّثن بسهولة عن الضيق والمعاناة. هذا مقبول. أما قول “أريد مالًا أكثر” أو “أريد أن أصبح ثرية” فيبقى جملة ثقيلة. عندما ننتقل في الحديث من “كيف نغطي المصاريف” إلى “كيف نزيد الثروة”، يتغيّر الجو.

كثيرات تربّين على فكرة أن المال يجلب المشاكل، وأن النجاح يجب أن يكون صامتًا. التفاوض قد يُفهم كوقاحة. الإفصاح عن الراتب قد يخلق توترًا. الطموح قد يُفسّر كخروج عن الصف. ومع هشاشة الواقع السياسي والاقتصادي، يصبح الاختفاء والصمت استراتيجية بقاء.
هكذا يتكوّن نمط من الصمت الاستراتيجي.
صمت يحمي. لكنه أيضًا يعزل.
بدون لغة مشتركة للحديث عن المال، تتكرر الأخطاء من جيل الى جيل، ويتأخر التعلّم، ويضعف العمل الجماعي.
الصمت يُبقي المرأة الفلسطينية بأمان… لكنه أيضًا يُبقيها أصغر مما هي.
لهذا اخترت أن أتحدث عن المال بصوت عالٍ. كتثقيف. كإعطاء كلمات لم يُسمح للنساء بممارستها: ليس فقط لغة المعاناة، بل لغة الثقة بالنفس والسّيادة على الذات.
عندما -أخيرًا- تُعلن امرأة: “أريد أن أتحكم بمالي” أو “أريد أن أزيد دخلي وأحتفظ به”، من دون اعتذار أو تصغير لكلامها… يتغيّر شيء صغير في واقعنا.
قد لا يغيّر هذا النظام كله فورًا، لكنه يغيّر قراراتها. يساعدها على التفاوض. ويسمح لها أن تضع حدودًا واضحة. وأحيانًا، كسر صمت صغير يمكن أن يكفي لشقّ طريق مختلف تمامًا.
الحديث عن المال هنا ليس رفاهية. هو استعادة لحقّ ومساحة. مساحة تستحقها النساء أكثر مما سُمح لهنّ أن يعترفن بها.

